هشام عرفات
في أعماق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع خيوط القمع السياسي مع صوت الحرية الثقافي، يبرز الاختفاء القسري كجريمة تتجاوز الفرد لتصيب الذاكرة الجماعية للشعوب. هذه الجريمة، التي تحول الأحياء إلى أشباح مفقودة، ليست وليدة عصرنا، بل جذورها تمتد إلى عقود مضت، مشكلة سياقاً تاريخياً وثقافياً يعكس كيفية استخدام الأنظمة الاستبدادية الغياب لإسكات الرواة والشهود. في وقتنا الراهن، حيث يتداخل التراث الشفهي مع تقنيات التوثيق في الإعلام الحديث، يصبح الاختفاء ليس مجرد فقدان جسدي، بل محواً للروايات التي تحفظ هوية الأمم وتاريخها. إنه الظل الذي يهدد جوهر الصحافة: الكشف عن الحقيقة في وجه الظلم.
يعود السياق التاريخي لهذه الجريمة إلى منتصف القرن العشرين، حيث كانت أول حالة موثقة جماعية في غواتيمالا عام 1966، عندما اختفت مجموعة من 30 ناشطاً سياسياً، بينهم إعلاميون وصحفيون محليون، على يد قوات الأمن الحكومية خلال النزاع الداخلي. هذه الحادثة، التي وثقتها منظمة العفو الدولية في تقاريرها الأولى، أصبحت نموذجاً لكيفية استخدام الاختفاء كأداة للقمع المنهجي في دول أمريكا اللاتينية. أما أول حالة موثقة لصحفي فردي، فتعود إلى الأرجنتين خلال “الحرب القذرة” (1976-1983)، حيث اختفى الصحفي رودولفو والش عام 1977 بعد نشره رسالة مفتوحة تكشف جرائم الديكتاتورية العسكرية بقيادة الجنرال خورخي فيديلا. والش، الذي كان كاتباً وصحفياً استقصائياً، أرسل الرسالة يوم 24 مارس 1977، واختفى في اليوم التالي، ليصبح رمزاً للصحفيين الذين يدفعون ثمن الكلمة. ووفقاً لتقرير لجنة حماية الصحفيين (CPJ) لعام 2007 بعنوان “The Forgotten Man”، شكلت هذه الحالة بداية نمط عالمي استخدمته الأنظمة لإرهاب الإعلام، مما أدى إلى ازدياد ملحوظ في حالات الاختفاء القسري للصحفيين في العالم عامة والأرجنتين خاصة.
مع انتشار الاختفاء القسري كأداة قمع في النزاعات الثقافية والسياسية، خاصة في مناطق مثل أمريكا اللاتينية وآسيا، تطورت المواثيق الدولية لمواجهتها، مستلهمة من التراث الثقافي الإنساني الذي يرفض الغياب كمصير. بدأت الجهود ببروتوكولات جنيف الإضافية عام 1977، التي تحمي الصحفيين كمدنيين في النزاعات المسلحة (المادة 79 من البروتوكول الأول)، مشددة على منع الاعتقال التعسفي والاختفاء. ثم جاءت اتفاقية الأمم المتحدة الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (ICPPED) عام 2006، التي تصنف الاختفاء جريمة ضد الإنسانية إذا كان منهجياً أو واسع النطاق (المادة 5)، وتفرض على الدول التحقيق الفوري والعقاب المناسب، مع ضمان حقوق العائلات في معرفة مصير أحبتهم. كما أكد قرار مجلس الأمن رقم 2222 عام 2015 على إدانة الانتهاكات ضد الصحفيين في النزاعات، مطالبًا بوقفها ومحاسبة الجناة، كما يفصل النص الرسمي للقرار في فقراته الأولى والرابعة، مشدداً على مسؤولية الدول في منع الإفلات من العقاب. كانت بعض هذه التطورات استجابة لتقارير منظمات مثل مراسلون بلا حدود (RSF) و لجنة حماية الصحفيين CPJ، التي سجلت آلاف الحالات، مما أدى إلى إنشاء لجان مراقبة في الأمم المتحدة، مثل مجموعة العمل المعنية بالاختفاء القسري أو غير الطوعي (WGEID) التي أنشئت عام 1980.
لقد أنتجت هذه القوانين تأثيراً ملحوظاً على مستوى العالم وعلى المستوى السوري، حيث ساهمت في توثيق الحالات وزيادة الضغط الدولي. ففي سوريا، ساعدت اتفاقية الأمم المتحدة الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري وقرار 2222 في إنشاء آليات مثل الآلية الدولية المستقلة والمحايدة للمساعدة في الكشف عن مصير المفقودين (IIIM) عام 2016، التي جمعت أدلة على آلاف الحالات، مما أدى إلى محاكمات دولية مثل قضية “كوبلنتز” في ألمانيا عام 2022، حيث حُكم على ضابط سابق في النظام السوري بتهمة التعذيب والاختفاء. كما شجعت على تشكيل منظمات محلية مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)، التي وثقت 177,000 حالة اختفاء قسري بحلول 2024، مما ساعد في رفع الوعي وتقديم دعم قانوني للعائلات. ومع ذلك، يبقى الدعم محدوداً؛ ففي تقرير SNHR لأغسطس 2025، سجلت 109 حالات اعتقال تعسفي جديدة، مع إفلات واسع من العقاب بسبب النزاع المستمر والانقسامات السياسية. العائلات غالباً ما تتلقى دعماً نفسياً وإعلامياً من منظمات مثل منظمة العفو الدولية، لكن الدعم المالي والقانوني غير كافٍ، حيث يعتمد على حملات مثل “الحقيقة مدفونة” التي تطالب بتعويضات، لكنها تواجه عقبات أمنية في الوصول إلى السجون أو المعتقلين السابقين.
في سوريا، شهدت النزاعات اختفاء عشرات الصحفيين من جنسيات مختلفة، مما يعكس الطابع الدولي للجريمة. من بينهم الصحفي البريطاني جون كانتلي، الذي اختطف عام 2012 في حلب على يد داعش، وظهر في فيديوهات دعائية للتنظيم، ومصيره مجهول حتى اليوم، كما وثقت مراسلون بلا حدود في تقريرها لعام 2017. كذلك، الصحفي الأمريكي أوستن تايس، مختفي منذ أغسطس 2012 قرب دمشق، حيث اعتقلته قوات النظام، وتستمر عائلته في المناشدات الدولية دون تقدم يذكر، كما ذكرت CPJ في تحديثاتها لعام 2020. أما الصحفي الأمريكي جيمس فولي، فقد اختطف عام 2012 وأعدم عام 2014 بداعش، مما أثار موجة دولية من الإدانة. ومن الصحفيين العرب، يبرز الموريتاني إسحاق ولد المختار، الذي اختفى في حلب عام 2015 أثناء عمله لقناة “سكاي نيوز عربية” ومازال مصيره مجهولا حتى الآن.
إضافة إلى ذلك، شهدت سوريا اختفاء العديد من الصحفيين السوريين، مما يعكس عمق الجريمة داخل النسيج الاجتماعي المحلي. منها – على سبيل الذكر لا الحصر – حالة الصحفي فرهاد حمو، الذي اختفى عام 2014 في القامشلي على يد داعش أثناء عمله لشبكة رووداو، ومصيره مجهول رغم إفراج التنظيم عن زميله مسعود عقيل في 2015، كما وثقت SNHR ومراسلون بلا حدود (RSF). و أيضا حالة الكاتب حسين عيسو الذي اعتقل في 2 أيلول/سبتمبر 2011، من قبل قوات الأمن التابعة للنظام السوري السابق، وأيضا حالة المحامية والناشطة الحقوقية رزان زيتونة التي اختطفتها فصائل جيش الإسلام التابعة للمعارضة السورية في 9 ديسمبر 2013.
أخيراً وليس آخراً، يمثل الاختفاء القسري تحدياً وجودياً للصحافة كحارس للذاكرة الإنسانية، حيث يهدف إلى محو الشهادات التاريخية والثقافية التي تشكل هوية الشعوب. من منظور أكاديمي، يتطلب استكشاف هذه الجريمة نهجاً متعدد التخصصات يجمع بين القانون الدولي وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية، لفهم كيف تحول الغياب إلى أداة سياسية ممنهجة. كما يبرز البحث في هذا المجال، مثل دراسات لجنة حماية الصحفيين ومنظمة العفو الدولية، أن الالتزام بالمواثيق الدولية ليس كافياً دون آليات تنفيذية فعالة تضمن المحاسبة والعدالة.
المصادر:
- كتاب “Scientists and Human Rights in Guatemala” (الأكاديميات الوطنية الأمريكية): https://nap.nationalacademies.org/read/2038/chapter/2
- منظمة العفو الدولية (City of the Disappeared – three decades of searching for Guatemala’s missing): https://www.amnesty.org/en/latest/news/2012/11/city-disappeared-three-decades-searching-guatemalas-missing / –
- موقع Inverse Journal (Rodolfo Walsh’s 1977 Open Letter to the Military Junta in Argentina): https://www.inversejournal.com/2022/01/20/rodolfo-walshs-1977-open-letter-to-the-military-junta-in-argentina-introduced-and-translated-by-arturo-desimone / – (ترجمة ومقدمة
- CPJ (The Forgotten Man: CPJ Special Report): https://cpj.org/reports/2007/10/the-forgotten-man/ – (يناقش التقرير الإفلات من العقاب في حالات اختفاء صحفيين).
- تقرير الأمم المتحدة (A/HRC/51/31 – General Comment on Enforced Disappearances): https://docs.un.org/en/A/HRC/51/31 – (الانتشار كأداة قمع في سياقات تاريخية، أمثلة من أمريكا اللاتينية وآسيا).
- تقرير الأمم المتحدة (A/HRC/60/35 – General Assembly on Enforced Disappearances): https://docs.un.org/en/A/HRC/60/35 -.
- موقع OHCHR (Protocol Additional to the Geneva Conventions of 12 August 1949): https://www.ohchr.org/en/instruments-mechanisms/instruments/protocol-additional-geneva-conventions-12-august-1949-and – (الحماية للصحفيين ومنع الاعتقال التعسفي).
- اتفاقية الأمم المتحدة الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري – نص الاتفاقية (UN Treaties): https://treaties.un.org/doc/publication/ctc/ch_iv_16.pdf
- قرار مجلس الأمن رقم 2222 عام 2015 على إدانة الانتهاكات ضد الصحفيين في النزاعات – نص القرار (UN Security Council Report): https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/%257B65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9%257D/s_res_2222.pdf
- مجموعة العمل المعنية بالاختفاء القسري – موقع OHCHR (Working Group on Enforced or Involuntary Disappearances): https://www.ohchr.org/en/special-procedures/wg-disappearances – (تأسيس عام 1980، مهامها)
- تقرير Opinio Juris (Key Insights from The First World Congress on Enforced Disappearances): http://opiniojuris.org/2025/08/01/key-insights-and-lessons-from-the-first-world-congress-on-enforced-disappearances / – ( تأثير ICPPED في توثيق الاختفاءات عالمياً، مع أمثلة من سوريا).
- موقع IIIM (Mandate): https://iiim.un.org/who-we-are/mandate / – (التأسيس عام 2016 بقرار A/71/248، ودوره في توثيق الجرائم في سوريا).
- موقع ECCHR (First criminal trial worldwide on torture in Syria): https://www.ecchr.eu/en/case/first-criminal-trial-worldwide-on-torture-in-syria-before-a-german-court / – (تفاصيل محاكمة كوبلنتز 2022، الحكم على أنور رسلان بتهمة جرائم ضد الإنسانية بما في ذلك التعذيب والاخفاء).
- تقرير SNHR (Fourteenth Annual Report on Enforced Disappearances in Syria): https://snhr.org/blog/2025/08/30/fourteenth-annual-report-on-enforced-disappearances-in-syria-on-the-occasion-of-the-international-day-of-t he-victims-of-enforced-disappearances/ – (177,057
- تقرير SNHR (Monthly Report on Arrests/Detentions August 2025): https://snhr.org/blog/2025/10/02/snhrs-monthly-report-on-arrests-dete ntions-in-syria-6/ – (127 حالة في سبتمبر، 124 في أغسطس).
- تقرير Amnesty (Syria: New government must ensure justice for the disappeared): https://www.amnesty.org/en/latest/news/2025/08/syria-new-government-must-ensure-truth-justice-and-reparations-for-the-disappeared / -.
- PDF Amnesty (“Truth Still Buried”): https://www.ecoi.net/en/file/local/2129819/MDE2401672025ENGLISH.pdf –
- CPJ (Missing, Not Forgotten): https://cpj.org/campaigns/missingnotforgotten / – 65 صحفياً مفقوداً عالمياً، مع عشرات في سوريا من جنسيات متعددة
- BuzzFeed News (10 Journalists Who Are Missing In Syria): https://www.buzzfeednews.com/article/alisonvingiano/10-journalists-who-are-missing-in-syria – (سرد 10 صحفيين مفقودين في سوريا من جنسيات مختلفة،
- RSF (RSF calls for renewed efforts for John Cantlie’s release after five years in captivity): https://rsf.org/en/rsf-calls-renewed-efforts-john-cantlie-s-release-after-five-years-captivity – (تقرير 2017 يدعو لجهود لإطلاق سراحه، يوثق الاختطاف والفيديوهات)
- CPJ (Austin Tice): https://cpj.org/data/people/austin-tice/ – (مختفي 2012، اعتقال من النظام، تحديثات حتى 2020).
- BBC (“Isis Beatles: ‘Four hours with the militant who murdered my son'”): https://www.bbc.com/news/world-us-canada-62440920 – (إعدام فولي، إدانة).
- CPJ (Sky News Arabic’s journalists latest to go missing in Syria): https://cpj.org/2013/10/sky-news-arabias-journalists-latest-to-go-missing/ – (اختطاف Ishak Mokhtar 2013 في أكتوبر قرب حلب).
- تقرير CPJ (Farhad Hamo Missing): https://cpj.org/data/people/farhad-hamo / – ( الاختفاء عام 2014 في القامشلي من قبل داعش، مع زميله عقيل الذي أفرج عنه، ومصيره مجهول).
